|
الهروب من الفردوس لا يعني النجاة من أفاعيه
أدب المنفى بين الحرية وحلقات الحصار
وديع العبيدي*
تتراوح أعمار الكتاب العراقيين في الخارج بين مقتبل
الثمانينيات وبدايات العشرينيات، ويشكلون نسبة تزيد على ثلثي عدد
الأدباء العراقيين، منهم من انفتحت له آفاق الشهرة وصدرت له عشرات
الكتب ومنهم من لم يصدر كتاباً أو تتيسر له الشهرة والدعاية
المناسبة. تتباين أساليبهم ومدارسهم وأدواتهم الفنية، ويتوزعون
جوانب الكرة الأرضية في ما يزيد على مائة بلد من أقصى الأرض إلى
أقصاها. منهم من غادر البلد منذ الخمسينيات ومنهم من غادر أواخر
التسعينيات. منهم المتوزعون في بلاد أجنبية، أو المستقرون في بلدان
عربية. وعليه تتفاوت توجهاتهم السياسية ورؤاهم الفكرية وظروفهم قدر
ما يمكن لها أن تنعكس على نتاجهم الأدبي والثقافي. وما يزال أغلبية
الكتاب العراقيين يمارسون الكتابة بلغتهم الأم وأساليبهم وأغراضهم
المعروفة ما خلا قليلا من التغييرات والإضافات. ناهيك عن تعددية
العراق الثقافية وتعددية اللغات العراقية ، فإلى جانب العربية يصدر
النتاج العراقي باللغات الكردية والتركمانية والسريانية. ثمة من
صار يكتب باللغة الجديدة إلى جانب اللغة الأم أو اقتصر عليها. ثمة
جيل أو أجيال من الكتاب العراقيين الذي بدأوا الكتابة في الخارج
ولم يسبق لهم أو لم يعرف لهم نتاج منشور من قبل. كل هذه العوامل
تجعل من أمر هذه الدراسة أو التغطية في غاية الصعوبة سيما ضمن مدة
زمنية محدودة لا تتيح الاتصالات الكافية مع المعنيين . وثمة..
فالأسماء والنماذج المتاحة هنا، لا تدعي كونها نخبوية أو أفضلية
وإنما هي عينات متفاوتة تعكس سعة آفاق جغرافيا القصة العراقية في
المنفى.
الحرية والتلاقح الثقافي هما أبرز إضافات المنفى على النص
العراقي. النص المولود خارج المؤسسة وبعيداً عن الرقابة وعقدة
الخوف والوشاية. نص المنفى هو نص الحرية ولذلك فهو النص العراقي
الأصيل بدون تشذيب أو تزويق أو تزوير. ربما تتراجع سلطة الرمز
والميثولوجيا والأسطورة التي عومت النص الأدبي في الداخل لمراوغة
الرقيب، وبدأت الأسماء تتخذ محلها كأنها قطعة حية من لحمة الواقع
العراقي. مقاطع من سيرة شخصية أو جمعية تتدافع على زجاجة الورقة.
المنفى بمعنى الدخول، والبعد بمعنى القرب، والوطن بمعنى الغربة.
ثمة حضور طاغ للمفردة العراقية، للحظة اليومية العادية، الطفولة
والذكريات، العلاقة الحميمة التي تجمع الأشياء رغم تنافر ألوان
اللوحة التي ترشها فرشة النظام. ولا أدعي أو أبالغ هنا إذا قلت أن
القصة العراقية في المنفى تفرز نفسها من غيرها بالرائحة والطعم
واللون. البعض يصفها بالنزيف أو النوستالجيا أو الضياع الذي يجعل
الالتصاق ضرورة. ولم تنفصل عن ذلك القصة العراقية الأجنبية، أي
القصص المكتوبة بلغة ثانية. اللغة وحدها لم تستطع تجريدها من
هويتها التي تتأكد بالدرجة الأولى عبر المضمون العراقي الملح
والمفردة والرائحة والطعم. ربما تحتفظ القصة العراقية هنا من
امتياز التعددية اللغوية التي لا تفقدها خصائصها وهويتها باجتياز
الحاجز اللغوي أو الكتابة من اليسار نحو اليمين. ثمة حضور دائم
لمفردات محلية بحتة، تتكرر في القصة الكردية والتركمانية
والانجليزية والألمانية والعربية قليلاً أو كثيراً. ثمة آصرة وهمية
نوستالجية تذيب كل ذلك في نسيج وحدة واحدة.
إلى حد بعيد يمكن تسجيل امتياز آخر لقصة المنفى بالقفز على
الشكلانيات والتركيز على الفكرة. فالقصة هنا لا تستغرق في معمعان
الصرعات الحداثوية أو تقليد هذا النص الغربي أو ذاك؛ أنها بنت
ذاتها وإفراز لحظتها وترجمة تجربتها الخاصة. ولكل كاتب رؤيته
وتجربته وأدواته التي تلتقي أو تبتعد عن غيره حسب عوامل فنية
وتقنية كثيرة. وإزاء تفاوت لغة القصة العراقية وخطابها بين أزمة
الشكل وهيمنة المؤسسة (السياسية)، يمكن القول أن قصة المنفى بلورت
خطابها الخاص الذي تجاوز اشكاليات الشكل والمؤسسة، وأوجدت لها لغة
مشتركة وأرضية مشتركة وانتماء حقيقياً لوطن وقضية وتاريخ غير
مؤدلج.
أمام جملة الخصائص والانجازات التي سجلها قصاصو المنفى فثمة
الصعوبات والمعوقات التي كانت لها آليات مضادة لمصلحة أدب المنفى
عموماً. ان كل ما تحقق للآن وما يتحقق، ما نتحدث عنه الآن أو سيجري
عنه الحديث، سلباً أو ايجاباً، سوف يبدأ من القفز على الواقع
وتجاوز الأرضية والظروف لآليات العمل الأدبي في المنفى. فالنتاج
الأدبي في الخارج هو نتاج فردي محض. حاجة نفسية وذهنية ورسالة
فكرية فردية وأداء استحقاق تاريخي لا تعيره المؤسسة والنظام
الأهمية. فالواقع يتعرض إلى عملية تزوير منظمة وشمولية، والرأي
العام يعاني من سياسة تعبوية مؤدلجة تخدم أغراض سياسية مزيفة،
الإنسان العراقي والوطن العراقي هما الضحية الوحيدة للسياسات
والدسائس والتلفيق الدولي والمحلي، وما يزال العراق بأيدي غريبة
ودخيلة، مصالح دولية وإقليمية، وأبناء الوطن قرابين أبدية لحروب
ونضالات ومهاترات مستمرة. هذه الظروف جعلت الكاتب العراقي الأمين
الوحيد على قضية وطنه البعيد عن أية أغراض شخصية، والخارج عن كل
الأطر والمخططات السياسية . ووجوده في الغرب واحتكاكه المباشر
باللغات الأوربية يجعله على خط التماس المباشر لما يخطط ويبرمج،
وما يلقاه ذلك على الصعد العربية من خلال تعامله مع الأحداث بدون
براقع أو ادعاءات. بيد أن مثل هذه المسؤولية أكبر من الإمكانيات
الفردية، والعراقيون يعانون من آثار الترسبات السياسية التاريخية
التي لا توفر أرضية خلق مؤسسة بديلة أو عمل مشترك، لا يتعرض للخرق،
وقد انعكس ذلك على آليات العمل وتقنياته. ومع ذلك استطاعت الجهود
الفردية تقديم ثمرات ناضجة سواء على صعيد النتاج الأدبي أو العمل
الصحافي، وبقدر ما ملأت الدوريات العراقية في المنفى الفراغ
الثقافي والمؤسساتي، وكانت الإطار الوحيد الذي جمع أطراف المنافي
والإبداع العراقي كان مقصداً ودوحة للكاتب العراقي والعربي في
الداخل أيضاً.
وكما هو العراق، وطناً، والعراقي إنساناً، ما يزال الكاتب
العراقي محاصراً ومطارداً ومعزولاً بتهمة التمرد على النظام
الرسمي. الكاتب العراقي في الخارج يكتب ولا يعرف أين ينشر
كتاباته، يؤلف ولا يجد الجهة التي تتولى طبع مؤلفاته ونشرها، وإذا
طبع ذلك بالجهود الفردية تبقى أسواق النشر والتوزيع موصدة في وجهه.
ولكل كاتب عراقي في الداخل أو الخارج، مخطوطات تنتظر إطلاق سراحها.
إن الإعلام العربي والسوق الثقافية العربية ما زالا مغلقين في وجه
النتاج العراقي الثقافي، وعقود الحرب والدكتاتورية والحصار وما
بعدها أكبر شاهد على ذلك. القليلون الذين يجدون حفاوة محدودة هم
أعوان النظام السابق. ومنذ أيام الدكتاتورية حتى اليوم بقي نتاج
المنفى العراقي محكوماً بالنفي وما يصل يتسرب منه إلى الداخل فعن
طريق التهريب.
الصعوبة الأخرى التي انعكست على أدب المنفى العراقي هي غياب
النقد. لقد حظت القصة والرواية العراقية بمكانة واهتمام ملحوظ في
خريطة النقد العراقي، وكان لها حراسها وسدنتها بدءاً من دراسات
الدكاترة عبدالإله أحمد وعمر الطالب إلى شجاع العاني ومحسن الموسوي
وعزيز السيد جاسم ومحمد الجزائري وطراد الكبيسي وآخرين. فقد بقي
النقد الأدبي العراقي في إطار المؤسسة السياسية، ليس بالمضمون
السياسي فقط وانما من جهة الرعاية. فآلية النقد عملية تخضع
لمكانزمات الإعلام السائد، وهي تضع مسألة النشر في الاعتبار الأول،
وهي ما تؤمنه المؤسسة. وبالتالي فالنقد حريص في اختيار الأسماء
التي يتعرض لها وتغييب غيرها تبعاً لتغييبها على لائحة النظام.
والطريف أن انتقال بعض النقاد للخارج لم يعطل تلك الآلية المقيتة
والمتقاطعة مع الإبداع، وبقي التناول النقدي رهناً بالمقابل النقدي
والموقع الإعلامي الذي ينشره. وشكل تجاهل النقد حلقة جديدة في
حلقات محاصرة أدب المنفى العراقي.
وأخيراً، وليس آخراً.. يبقى المنفى مفردة غريبة في القاموس
العربي، ويبقى أدب المنفى مشبوهاً ومغيباً وملعوناً حتى يعود إلى
بيت الطاعة. ويبقى أمام القصة العراقية والثقافة العراقية في
المنفى، الكثير، أولها ترصين خطاب فكري إنساني مخلص لنفسه ولقضيته،
بحيث يستطيع أن يتبوأ مكانته اللائقة في الأدب العالمي. وفي
التاريخ العراقي والقضية العراقية، ما يزال الكثير من المخفي
والمزيف والمسكوت عنه والمدفوع ثمنه، ما ينتظر الكثير من العمل
والجدية.
------------------
* وديع العبيدي شاعر وكاتب مقيم في النمسا رئيس تحرير مجلة ضفاف
الثقافية. اخر اصداراته الشعرية: الدخول في خبر كان/ ومنفيون من
جنة الشيطان.
|