|
تأملات في التجربة الشعرية المغربية المعاصرة
(1)
التجاني
بولعوالي*
من أيديولوجيا التصنيف إلى القصيدة الراهنة
منذ آونة ليست بالقصيرة، ونحن نفكر في أن ندلي بتصورنا حول ما
تتناقله إلينا الصحف والمنابر من قصائد ومحاولات شعرية، لكن كلما
عزمنا على ممارسة هذا الفعل، أو شرعنا في تحبير بعض الأسطر
والكلمات التي تقترن بهذا المقام، إلا وانتابنا نوع من العجز في
التناول، رغم توارد الفكر، وتشعب القول بصدد الإنتاج الواحد إلى
تفسيرات فرعية تفشل في ضبط مسارها العام، أو القبض على الصيغة
المضمرة التي تحكم مجموع العناصر التي تكونه، وخاصية التلون هذه
التي تميز القصيدة الراهنة، ربما يكمن مرجعها في طبيعة شعرائها،
الذين يطمحون إلى أن تكون كتابتهم مشربة بآخر ما توصل إليه النقد،
ولو على حساب الشعر الذي يأبى دوما أن يكون زيّاً
أو موضة..!
جرت العادة في الدراسات النقدية والتنظيرية، التي تتعلق بالشعر
العربي الحديث والمعاصر عموماً، والشعر المغربي بخاصة، أن يعمد
الباحثون إلى تداول خطة تقسيمية/تجزيئية شائعة، وهي موضعة كل شاعر
في العقد الذي نشأ فيه، فتقول: إن هذا شاعر ستيني وذلك سبعيني...
وهكذا، وتشتيت القصيدة المغربية إلى قصائد متعددة، كل واحدة تموقع
في عشرية معينة... وهذه لعمري استراتيجية تبسيطية ذات منزع أكاديمي
بحت، تنطوي على أكثر من غموض وإبهام من حيث التناول، إذ كيف يتسنى
لنا أن ننصب هذه الأسلاك بين القصيدة الواحدة، رغم أنها تنفر من أن
تتجزأ، وأن الخيط المستتر الذي يوفق بين أركانها يستعصي عن أن
يتلاشى، بل يظل قائماً يقرن بين الخاصيات العامة والمجردة التي
تتجاوز التصنيف، لتكشف عن حضورها الممتد في القصيدة المغربية ككل
متماسك، لا ككل مجزأ..؟ وكيف يحلو لنا أن نلصق الشاعر بمرحلة ما،
ونحن ندري أن إبداعه يتوزعه أكثر من عقد، ومن ثم فما يكتبه واحد،
تتجاذبه قواسم مشتركة تظل سارية ما تقادمت الأيام؟
إن انتهاء أي عصر أو عقد لا يمكن اعتباره شارة وقوف، يتلوه انطلاق
جديد، إن القصيدة ككثبان الصحراء أو أمواج البحر، تمتد في نوع من
الانتشار الموسوم بالتماثل على مستوى المكان، وتحفل آلياتها
بالجودة والتمكن الذي ينبئ بالاستمرار على مستوى الزمان، والقصيدة
المغربية في ضوء هذه النظرة واحدة ومتوحدة، اللهم إلا بعض
الاستثناءات الطارئة التي لا تشكل كنه شعريتها وجمالها، فالتصنيف
المنصب على متنها، والذي قد يسقط الباحث في أخطاء تودي برونق النص
وبهائه، يحق لنا اعتباره مساهمة أولية وإجرائية مبتغاها التيسير
والتوضيح ليس إلا.
وفي هذا دعوة صريحة إلى أن هذه النمطية المعهودة التي يراد بها
التنسيق، لا تغني في شيء غير صوغ ذهنيات مجبولة على الحفظ
والتكرير، فالمتنبي بغض النظر عن الحقبة الزمنية التي عاش فيها،
يتخطى كل التواريخ وكل البقاع، ليشكل في عقول المتلقين نموذجا
إنسانيا حيويا يتأبى التأطير والتصنيف.
بناء على هذا التفسير، إن رؤيتنا بخصوص هذه القصيدة تتوخى مراجعة
هذا الجانب من نقدنا، الذي تصاعد استفحاله في السنوات الأخيرة، حتى
أن ثلة من المهتمين صار همهم كلما أعلن عقد جديد استهلاله، هو
الدعوة إلى بلورة قصيدة جديدة، ثمانينية أو تسعينية أو..! رغم أن
قسماتها العامة لم تتضح بعد للعيان، لأمر كهذا نقول: دعوا مثل هذا
التناول للدراسات الأكاديمية، والنظريات الجاهزة التي تروم إقناع
المتلقي أكثر مما تبغي خدمة النص، حقًا إن إسقاطها مما لا يسوغه
أحد، نظرًا إلى قيمتها التاريخية وسبقها الزمني، غير أن استمرارها
يزيد من تعميق الفجوة بين مشكلات المتن الشعري المغربي في عمومه،
فنصبح في كل قرن أمام قصائد متعددة تنتظم عقوده بشكل تسلسلي،
والأنكى من ذلك أن الشاعر الذي كان ينعت بأنه ستيني أضحى سبعينياً
أو ثمانينياً، فما هي الصفة التي يجب الأخذ بها، هل الأولى أم
الأخيرة أم الوسطى، رغم أنه كتب في كل هذه المراحل، وأن قصيدته
تتقنع بلبوس هذه العقود كلها..؟!
ومن هنا كانت تسمية شعر الشباب أو مسألة (التجييل) يعوزها الوضوح
والصواب، فالذي كان شاباً أو سبعينياً عند نجيب العوفي في كتابه
(مدخل إلى دراسة شعر الشباب) صار اليوم كهلاً أو قضى، مما يورط
الباحث في العديد من المفارقات اللا مبررة، وإن هو درى كيف يتملص
من تشابكها وتداخلها، نشأت في ذهنه أكثر من علامة استفهام، وأكثر
من استغلاق، لا ينفرج إلا إذا ما ابتدرنا إلى تجاوز تلك المصطلحات
(المفبركة!)، واشتغلنا على القصيدة من حيث أنها استوفت مستلزمات
الكتابة الشعرية، من صور مشحونة بالإيحاء، وإيقاع مفعم بشتى
التقابلات الصوتية، والتشاكلات الفونولوجية، التي تتضافر لإشباع
دلالة النص، وشكل يوائم غرض المبدع ومقصوده وهكذا دواليك.
بناء على هذا، يتأكد أن إطلاق أي مصطلح بأسلوب خلو من الوعي
والرزانة، من شأنه أن يصعد من مفعولية اللبس والمواربة، وأن يوقعنا
في مآزق التراكمية الجوفاء، التي لا تضيف شيئاً إلى موروثنا، غير
الكم الذي لا طائل من ورائه، وفي نفس الآن نحاول تلافي تلك
التصنيفات التي تسطر جدولاً رباعياً أو خماسياً، وتؤطر الشعراء في
مجموعات معينة، تضعها حسب خانات العقود وكذا المناطق، كما يفعل
المؤطرون الرياضيون في تقسيمهم للفرق حسب النواحي والدرجات... ولا
نذكر شيئاً عن العقود، إلا من وجهة الإشارة إلى الفترة التي كان
فيها المبدع، أو ربط الإنتاج الأدبي بواقعه سواء الثقافي أو
السياسي أو السوسيولوجي أو غير ذلك، ومن ثم نقترح أن نطلق على ما
يكتب حالياً من الشعر "القصيدة الراهنة"، أما فيما يتعلق بنوعيتها
أو انتمائها، فهذا يدرك بمجرد التعرف على اسم ناظمها، وإن كان
مغموراً فيستكنه من أسلوب أدائها، ومستواها التعبيري والجمالي...
وبهذه الطريقة نفلح في خلق شعراء ينزاحون عن أي تحديد مراده تسييج
تجاربهم الإبداعية، ويكتبون أدباً يتعدى كل ما من شأنه أن ينمط أو
يؤدلج، ليتريث عند كل قارئ بغيته أن يغرف من معين الإبداع، وأن
ينفعل بشعور ذويه، وينخطف وجدانه لإيحاءاتهم الروحية.
صفوة القول، بهذه المحاولة التصويبية، نتوخى أن نكون قد نجحنا ولو
مبدئياً في التحول من أيديولوجيا التصنيف إلى نطاق آخر، يسالم
القصيدة ولا ينازعها، يمنح الطلاقة اللازمة لخلق جو ملؤه العفوية
واللين، حتى ينشأ شعرنا الراهن طبيعياً، وقد استوفى أوان نضجه، ولا
يكون الشاعر – كما هو جارٍ – كالذي يتربص ما يمليه أرباب النقد
والمنظرون، فيكتب تحت إنارتهم الباهتة، ويُخضع مكتوبه لمبضعهم
الأعمى... لذلك فإن ما يتحتم إدراكه هو أن الشعر مبتدأ ومنتهى،
وبصيغة أوضح، في البدء يكون الشعر، ثم يأتي الإنسان بذوقه أو نقده،
فيقرأه وبعد ذلك يصدر حكمه، ويدلي بوجهة نظره، فإن كان الشعر غثاً
سقط، وإن كان جيداً ترقَّى ليكون المنتهى إليه!
------------
* كاتب وشاعر مغربي مقيم بهولندا
tijanib@yahoo.com
|